• ثمة مقولة رائجة مفادها ان الإنتخابات هي مصدر الشرعية ومعيارها
  • "مطلوب رجل لا يخجل حاضره بماضيه"
  • لبنان بلد الالف مشكلة ومشكلة . مشكلته الاولى بعد الالف انطرحت
  • الإنتخابات في عالم العرب قضية خلافية ومثيرة للجدل دائماً الخلاف لا يقتصر على العرب
  • لبنان ملعب ولاعبون. الملعب هو النظام السياسي ، واللاعبون هم متزعمون في طوائف
  • يمكن تعريف القانون الدولي العام بأنه مجموعة القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول
دراسات
2016-12-06
لبنان : من النظام الطائفي الكونفدرالي الى الدولة المدنية الديمقراطية (*)
 

لبنان : من النظام الطائفي الكونفدرالي الى الدولة المدنية الديمقراطية (*)

د. عصام نعمان

            كاتب سياسي ، نائب ووزير سابق

 

لا غلوّ في القول إن أزمة لبنان المزمنة بمختلف جوانبها مردّها ، في الدرجة الأولى، الى سؤ ادارة التنوع اللبناني الفريد نتيجة إعتماد صيغة غير متوازنة لنظام الإنتخاب الأكثري فصّلتها سلطة الانتداب الفرنسية وكيّفيتها الشبكة السياسية اللبنانية الحاكمة على مقاسها بغية إعادة انتاج النظام الطائفي الكونفدرالي وتدويم بقائها في السلطة . ذلك ادى الى نشؤ ظاهرة غياب الدولة . لا دولة عندنا بل مجرد نظام هو عبـــــــــــارة عـــــن آليـــــة

لتقاسم السلطة والمصالح والمغانم بين شبكة سياسية قابضة قوامها متزعمون في طوائف ، ورجال أعمال وبيوت أموال، ومتنفذون في أجهزة أمنٍ وإستخبارات . هذه الشبكة القابضة العابرة للطوائف والجماعات هي ، في الواقع وعلى مرّ العهود ، أشبه ما تكون بمدالية ذات وجهين متكاملين: موالاة للنظام الطوائفي الكونفدرالي متجسدة في فريق حاكم ، ومعارضة ظرفية للفريق الحاكم إنما مخلصة للنظام القائم في إطار توافقٍ مضطرب للتناوب على السلطة . مع هذه الثنائية السياسية وبفعلها تماهى النظام بالكيان وتكاملا حتى كـادا يصبحان صيرورةً واحدة .

       في ظل هذه الشبكة السياسية القابضة تعذّر تحقيق حاجتين إستراتيجيتين : الإصلاح السياسي ومواجهة الخطـر الإسرائيلي . فالإصلاح ومكافحة الفساد متعذران في غياب معارضة حقيقية للشبكة القابضة وللنظام الفاسد .  ومواجهة الخطر الإسرائيلي متعذرة بسبب عدم إقرار الشبكة القابضة بوجوده أصلاً . ذلك ان وعي الخطر يستتبع إتخاذ تدابير إصلاحية سياسية واقتصادية نوعية لمواجهته . لكن إتخاذ مثل هذه التدابير يؤذي الشبكة السياسية القابضة من حيث انه يؤدي الى إرتخاء قبضتها ولجم إنتهابها خيرات البلاد ، فكان ان تفادت الإقرار بوجود خطر إسرائيلي لتتفادى الإصلاح والمواجهة بما هما عمليتان تتمّان ، بالضرورة ، على حساب مصالحها المتجذرة .

       لو كان عندنا دولة بمفهومها الصحيح المتعارف عليه لكان تمّ بناء جيش قادر على مواجهة الخطر الإسرائيلي . غياب الدولة إستتبع غياب الجيش القادر ، وهذا بـدوره إستتبع قيام مقاومة شعبية لسدّ نقصٍ فاجر. غير ان إنتصار المقاومة سنة 2000، وما يمكن ان يؤدي إليه الانتصار من تعديل لمصلحتها في موازين القوى الداخلية ، أخافا الشبكة القابضة وشدّا من عزيمة جناحها الاكثر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) ورقة قدمت خلال ندوة"السبيل لإخراج لبنان من ازماته وبناء دولة مدنية ديمقراطية" التي نظمتها رابطة اصدقاء كمال جنبلاط بتاريخ 6 كانون الاول 2016 .

 

 تطرفاً للجم المقاومة وتفكيكها . في هذا السياق ، وإزاء عجز الشبكة القابضة عن تنفيذ قرار مجلس الأمن  1559 ، شنّت إسرائيل ، بالتنسيق مع الولايات المتحدة ، حرباً (فاشلة) على المقاومة ولبنان صيفَ العام 2006.

       قبل حرب تموز 2006 وبعدها ، طالب الفريق الحاكم حزبَ الله بدمج المقاومة بالجيش اللبناني او  بوضعها تحت إمرته بدعوى منعها من أن تصبح دولةً ضمن دولة. رفض حزب الله الطلب لسببين : عدم وجود دولـة بمفهومها الصحيح وبالتالي عدم قدرة الجيش بوضعه الحالي على إستيعاب عملية الدمج ، وفي مطلق الأحوال عدم وجود إستراتيجيا وطنية للدفاع متوافق عليها كي يُصار الى مواجهة إسرائيل على أساسها.

       الخوف من تعاظم قدرات المقاومة ودورها، والعجز عن قيام توافق في شأن دمجها في الجيش او إخضاعها لإمرته ، زادا مخاوف متزعمي الطوائف ، وألهبا مشاعر أنصارهم ، كما أتاحا للقوى الخارجية عموماً فرصاً متزايدة للتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية بما يخدم مصالحها الإقليمية . كل ذلك زاد أزمة لبنان المزمنة تعقيداً  إلى ان جرى التوافق في مؤتمر الدوحة سنة  2008 على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وتأليف حكومة وحدة وطنية ، وإقرار قانون للإنتخاب على أساس قانون سنة 1960 . غير ان المساعي الناشطة للتوافق على إيجاد مخرج من الأزمة المزمنة وصلت إلى طريق مسدود ، لاسيما بعد إنتهاء ولاية الرئيس سليمان في 2014/5/24 وعجز مجلس النواب عن انتخاب بديل منه  لمدة سنتين ونصف السنة ، وعجز البرلمان ايضاً عن الإلتئام للتشريع من 2014/11/3  حتى آواخر تشرين الثاني 2015. سبق هذه التطورات ورافقها انفجار ازمات اقتصادية واجتماعية حادة اهمها ازمة الكهرباء ، وسلسلة الرتب والرواتب ، والنفايات ، وعدم إقرار الموازنة لمدة عشر سنوات متوالية ، ناهيك عن تجاوز الدين العام مبلغ 110 مليار دولار اميركي.

       بات واضحاً أن أي تسوية  سياسية في ظل موازين القوى السائدة ستكون تسويةً ظرفية قصيرة الأمد ، تنطوي على قاعدة "المزيد من الشيء نفسه" ، أي المزيد من التصارع وتقاسم السلطة والمصالح والنفوذ داخل النظام الطوائفي الكونفدرالي الفاسد .

       هكذا بات اللبنانيون امام حقيقة عارية هي ان النظام القائم والشبكة السياسية القابضة أصبحا يشكّلان خطراً على الكيان ، وان السبيل الوحيد لتفادي الإنهيار هو في التوافق على تسوية تاريخية يتأتى عنها تجديد القيادات السياسية لتمكين قوى شابة ونهضوية من إعادة تأسيس لبنان دولة ووطناً. 

 

                               

محاولة إصلاح النظام

       كانت قوى المعارضة الإصلاحية بقيادة كمال جنبلاط قد تمكّنت في العام 1975 من الإئتلاف في إطار "الحركة الوطنية" ، وتوافقت على اعلان "البرنامج المرحلي للإصلاح الديمقراطي" الذي تضمّن الاصلاحات الاساسية العشر الآتية:

 

.1 إلغاء الطائفية السياسية في التمثيل الشعبي والادارة والقضاء والجيش.

.2 اقامة مجلسين تمثيليين للتشريع.

.3 اعتماد نظام التمثيل النسبي في دائرة وطنية واحدة ، وخفض سن الإقتراع لثمانية عشر عاماً.

.4 اعتماد اللامركزية الادارية وانشاء محالس تمثيلية محلية.

.5 اعتماد الإستفتاء الشعبي المباشر بشأن القضايا المهمة.

.6 فصل الوزارة عن النيابة.

.7 اقامة محكمة خاصة للنظر بدستورية القوانين.

.8 اقرار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية.

.9 ازالة كل اشكال التمييز ضد المرأة.

.10 ازالة القيود اللاديمقراطية التي تحدّ من حرية الصحافة ، واقرار هيكلية ديمقراطية للعمل النقابي.

       هذه الاصلاحات العشر اعتبرها كمال جنبلاط والحركة الوطنية اساساً لتسوية تاريخية ومخرجاً آمناً من ازمة لبنان المزمنة.

الحق ان هذه التسوية التاريخية  جرى التوافق عليها لاحقاً وصوغ مبادئها في اتفاق الوفاق الوطني (الطائف) سنة 1989 الذي جرى دمج إصلاحاته الأساسية لاحقاً في متن الدستور . غير ان أياً من أحكامه الأساسية واصلاحاته لم ينفذ . مردّ التقصير فسادُ القوى المتنفذة في الشبكة الحاكمة وسؤ إدارة التنوع اللبناني، والتدخلات الخارجية . لذلك ، وبعد كل ما عاناه لبنان واللبنانيون في الماضي وما ينتظرهم من تحديات في الحاضر والمستقبل ، بات المخرج الرئيس ، ولعله الوحيد ، من أزمتهم المزمنة هو في بناء الدولة المدنية الديمقراطية على أساس المواطنة وحكم القانون والمشاركة والعدالة والتنمية .

بالنضال لإعتماد الدولة المدنية الديمقراطية والجدّية في بنائها يتعمّق الولاء الوطني ، وتتعزز رابطة المواطنة ، وتتوسع قاعدة القوى الوطنية النهضوية ، ويصبـح بإمكانها الإنتظام في جبهةٍ عريضة بصيغةِ مؤتمر وطني للإصلاح الديمقراطي لمواجهة اسرائيل والإرهاب التكفيري . بذلك يصبح المؤتمر الوطني المنشود تنظيماً سياسياً عابراً للطوائـف وأعلى من مكوّناته الأصلية ، ومؤسِّساً لقاعدة وطنية ومواطنة واسعة أشبه ما تكون بكتلة شعبية تاريخية ، ولاؤها للدولة بما هي تعبير عن إرادة الشعب والصالح العام ، ودستورها ميثاقُ  العيش المشتـرك ، وبرنامجها اتفاق الطائف بما هو منطلق لتجاوز الطائفية تدريجاً وعلى مراحل ، ونهجها مأسسة الديمقراطية وتعزيزها وذلك بإنتخاب مجلسين ، واحد للنواب على أساس وطني لاطائفي ، وآخر للشيوخ لتمثيل الطوائف ، وبإعتماد قانون ديمقراطي للإنتخاب على أساس التمثيل النسبي والدائرة الوطنية الواحدة ، وقانون متوازن لللامركزية الإدارية ، وسلطة قضائية مستقلة يديرها مجلس أعلى منتخب من القضاة أنفسهم .

         إن العمل من اجل إنعقاد المؤتمر الوطني للإصلاح الديمقراطي بات ضرورة إستراتيجية، وبناء الجبهة الوطنية الديمقراطية العريضة بأفق كتلة تاريخية هو ، بالدرجة الأولى ، مهمة القوى اللبنانية الحية.

في إطار الإعداد للمؤتمر  ، يجب إيلاء وثيقة برنامجه المرحلي عناية بالغة لتأتي ، في مبناها ومعناها ، مَعْلَماً بارزاً من معالم تطور لبنان الحضاري ، وعنوانا ساطعاً لإفتراقه عن زمن الطائفية والإستبداد والفساد، وولوجه عصر الديمقراطية والتنمية والتقدم والإبداع . من هنا تستبين الحاجة إلى تضمين الوثيقة مواقف متقدمة من القضايا الأساسية على النحو الآتي :

·      إعتبار الدولة المدنية الديمقراطية القادرة والعادلة جوهر التجربة الوطنية اللبنانية المعاصرة ورسالتها إلى عالم العرب.

·      إعتبار التعددية خصوصية لبنانية وعربية تغتني بالديمقراطية وتتغذى بالعروبة الحضارية وتحتمي بالحريات العامة وحقوق الإنسان .

·      بناء مفهوم المواطنة بتجاوز الطائفية تدريجاً في الدولة والمجتمع من خلال خطط مرحلية تتناول ميادين السياسة والتربية والتعليم والثقافة وأنشطة المجتمع المدني، ومساواة المواطنين امام القانون ، وسنّ قانون للحماية من التمييز الطائفي .

·      حرية العقائد الدينية مكفولة أمام القانون ، وللجميع الحق في ان يعلنوا عن عقيدتهم الدينية ، منفردين او مجتمعين ، وان يمارسوا شعائرها بطريقة علنية شرط عدم الإخلال بالنظام العام ، وتكريس حياد الدولة بين المؤسسات الدينية .

·      إقرار قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية.

·      توزيع مقاعد مجلس الشيوخ بالتساوي بين الطوائف الست الكبرى الإسلامية والمسيحية ، وكذلك بين طوائف الأقليات الإسلامية والمسيحية وذلك تعزيزاً للوحدة والتوازن الوطنيين والمساواة أمام القانون .

·      اعتماد نظام اللامركزية الإدارية في ظل سلطة مركزية فاعلة.

·      وضع قانون ديمقراطي عصري للأحزاب والجمعيات .

·      إعتبار المقاومة قوة رادعة في خدمة استقلال لبنان وسيادته ، والعمل على تكاملها مع الجيش اللبناني من خلال استراتيجيا للدفاع الوطني تكفل مركزية القيادة ووحدة العقيدة القتالية وحماية الشعب والأرض .

·      دعم استقلال السلطة القضائية بتمكين القضاة من إنتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى بصفته المرجع المختص بتعيين القضاة ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم وتحديد تخصصاتهم.

مستقبل النظام

       بعض جوانب الماضي غالباً ما يمتدّ في الحاضر . كذلك الحاضر يمتد في المستقبل. الواقع ان كثيراً من ماضي لبنان ، على صعيد الموروث السياسي الطائفي ، بقي ممتداً في حاضره، فهل يمتد كثيره أو قليله إلى مستقبله ؟

       إنه السؤال – الهاجس . سؤال اليوم والغد.

       في محاولة الإجابة عن هذا السؤال ، يجد المواطن المسؤول نفسه محكوماً بأن يضع الحاضر في حسابه . والحاضر ينطق بحقيقة جارحة هي ان لبنان ما زال في حال اللادولة ، أو في حال "الدولة الفاشلة" ، على حد تعبير مجلة "فورن بوليسي" Foreign Policy الأميركية ، إذ يحتل المرتبة 18 من أصل 60 " دولة" في حال ٍ مماثلة  لعلها ، في رأيي ، حال"الفوضى المنظمة" التي يُحسن أركان الشبكة السياسية القابضة نشرها ثم ضبطها وفق وتيرة تحددها في الغالب مصالحهم الفاجرة .

       النظام ، اذاً ، راتع في حال "اللادولة" . إستمراره في هذه الحال ، وسط الأزمات والتحديات الإقليمية والدولية المتفاقمة ، يُشكّل خطراً ماثلاً على الكيان وقد يتسبب ، عاجلاً أو آجلاً، في انهياره.

تفادي الإنهيار يتطلب معالجة مركّزة وموضوعية . هذه بدورها تتطلب وقتاً . إنها مسار وليست مجرد قرار. غير ان مباشرتها باتت حاجة إستراتيجية لا تحتمل التأخير.

إن الدولة المدنية الديمقراطية هي خيارٌ ونهجٌ نابعان من تشخيص لحال لبنان المرَضَية من حيث ان اللبنانيين يتصرفون حيال الحاجات والخيارات والتحديات، السياسية والاقتصادية والإجتماعية والثقافية ، التي تواجههم كأعضاء في كيانات طائفية أو مذهبية حيناً أو كأبناء شعب واحد حيناً آخر.     حيال الحاجات والخيـارات والتحديات الإقتصادية والإجتماعية يتصرف اللبنانيون ، غالباً، كأبناء شعب واحد ، إذ ليس ثمة خبز مسلم وآخر مسيحي ، إقتصاد مسلم وآخر مسيحي ، ضمانات صحية واجتماعية مسلمة وأخرى مسيحية ، ضرائب ورسوم مسلمة وأخرى مسيحية . أما حيال الحاجات والخيـارات والتحديات السياسية والإستراتيجية والثقافية فيتصرف اللبنانيون ، غالباً ، بدوافع طائفية ومذهبية . يتجلى ذلك أكثر ما يكون حيال مواضيع الحريات العامة ؛ تعديل الدستور ؛ الحرب والسلم ؛ المعاهدات والإتفاقات الدولية ؛ الموازنة العامة للدولة ؛ الخطط الإنمائية  الشاملة والطويلة المدى ؛ التنظيم الإداري للدولة ؛ قانون الإنتخابات وحل المجلس النيابي ؛ قانون الجنسية ؛ قوانين الأحوال الشخصية .

       نرى ، والحال هذه ، ان يجري تخصيص مجلس الشيوخ المنصوص عليه في المادة 22 من الدستور بصلاحية النظر في القضايا والمواضيع السياسية والإستراتيجية والثقافية  ، على ان تبقى لمجلس النواب ، المفترض ان يجري إنتخاب أعضائه على أساس وطني لاطائفي ، صلاحية شاملة بكل القضايا والمواضيع ، بما في ذلك تلك التي ينظر فيها مجلس الشيوخ ، لكونه صاحب ولاية شاملة للنظر والبت بكل القضايا والمواضيع بحكم  وظيفته التشريعية .

       إن عدم إعتماد خيار الدولة المدنية الديمقراطية ، والتلكؤ في إعتماد النهج المؤدي إلى بنائها وضمان حسن أدائها سيفضيان إلى واحدٍ من احتمالين ، وربما إلى كليهما :

       الإحتمال الأول ، ان يحدث المزيد من الشيء نفسه ، أي ان يبقى لبنان في حال اللادولة ، وبالتالي ساحة متاحة لاستعمالها من جانب أطراف محلية وإقليمية ودولية ، بالانفراد أو بالاتحاد ، لتحقيق أغراض أو تصفية حسابات شخصية أو سياسية أو إستراتيجية .

       الإحتمال الثاني ، ان يحاول احد الكيانات الطائفية أو السياسية ، منفرداً أو بالإشتراك مع كيانٍ أو أكثر ، بوسائل سياسية سلمية أو بوسائل أخرى ، بقواه الذاتية أو بالتحالف مع قوة إقليمية او دولية ، السيطرة على النظام وسلطاته ومقدراته وتوجيهه وجهةً معينة تخدم أهداف القوى المسيطرة ومصالحها .

       تسترعي الإنتباه والاهتمام ، في هذا المجال ، نشؤ ظاهرة بالغة الأهمية في لبنان وبلدان المشرق العربي ، كما في سائر بلدان غرب آسيا . انها ظاهرة نشؤ كيانات سياسية غير حكومية ، كتنظيمات المقاومة مثلا ، تمتلك قدرات اقتصادية وفنية وعسكرية وازنة ، كما تتمتع بدعم أهلي مؤثر وعابر لمختلف مكوّنات الشعب أو الاجتماع السياسي في بلد المنشأ أو في مسرح العمليات ، أو نابع من احد مكوّنات الشعب أو الاجتماع السياسي كالطائفة أو المذهب أو الأثنية ذات الكثافـة العددية .

     تزداد فعالية هذه الكيانات غير الحكومية إذا ما حظيت بدعم قوة إقليمية أو دولية مقتدرة إذ يصبح بإمكانها خوض معارك بل حروب محلية وإقليمية على نطاق واسع ولمدة طويلة . هذه المواصفات تنطبق على تنظيمات ناشطة حالياً كالمقاومة اللبنانية (حزب الله) والمقاومة الفلسطينية (حماس والجهاد الإسلامي) والمقاومة العراقية (المنظمات القومية والإسلامية المنضوية في اطار "الحشد الشعبي").

      إلى حزب الله ، فإن كيانات أخـرى في لبنـان ذات تكوين طائـفي غـالب ، كـ "القوات اللبنانية" و"تيار المستقبل" ، لديها القدرات والإمكانات والكادرات اللازمة لتوليد فعالية ميدانية مؤثرة تتيح لها ممارسة ضغوط على النظام قد ترتقي إلى حد تطويعه والسيطرة عليه . لكن في غمرة الصراع قد تنتدب قوى المقاومة اللبنانية وسائر القوى الوطنية الحية نفسها للإضطلاع بدور إصلاحي إجرائي مباشر يتوسل العصيان المدني في حال واصل أركان الشبكة السياسية القابضة والكيانات الفئوية التي تتبعها إعتماد تقليد الإصطراع والإقتتال لتمييع المسألة الإصلاحية والتهرب من واجب الدفاع عن لبنان ضد خطر العدوان الصهيوني وخطر الإرهاب التكفيري.

     مع كيانات غير حكومية ، قوية وفاعلة كتلك المنوّه بها ، يتحوّل لبنان ساحةً لحروب أهلية ، محلية وذات بعد إقليمي ، مديدة وكارثية .

     هذا الاحتمال يجب ألاّ يتحول أبداً إلى خيار . واجب القوى الوطنية الحية بل قدرها ان ترتفع إلى مستوى الأخطار المحدقة بالكيان ، بما هو مشروع دولة ووطن ، لمباشرة نضال موصول في سبيل بناء الخيار الأول والأمثل : الدولة المدنية الديمقراطية .

المخرج من الأزمة

       الصراعات والتجاذبات على اشدها حالياً بين اركان الشبكة الحاكمة. الواقع ان غاياتها ودوافعها تتجاوز مسألة الحقائب الوزارية وعددها ونوعيتها الى مسألة التشريعات الضرورية ، وبمضمون احكامها، وبجدولة طرحها على مجلس النواب، وبمواقيت النظر فيها وإقرارها. هذه الخلافات ، من ألفها الى يائها ، تتصل اولاً وآخراً بمصالح اركان الشبكة الحاكمة واهل النظام والكتل البرلمانية المتصارعة على السلطة والنفوذ .

يقودنا الإعتراف بهذا الواقع المعقد والازمة المستفحلة الى إستنتاج عاجل وماثل وهو ضرورة استنفار مجموعات الحراك الشعبي كما القوى السياسية الإصلاحية المعارضة لأهل السلطة بغية اطلاق حملة جماهيرية واسعة تطرح مطلب إنهاء عهد سلطة العجز التي يمدد اهلها لأنفسهم فيها، والضغط عليهم بكل الوسائل المتاحة والإستثنائية لحمل ممثليهم في مجلس النواب على إقرار قانون للإنتخابات على اساس التمثيل النسبي في دائرة وطنية واحدة على مستوى البلاد كلها، واجراء الإنتخابات العامة، تالياً ، بالسرعة الممكنة كي يصار بنتيجتها الى تأليف حكومة وطنية جامعة تتولى ، كأولولية اولى ، وضع التشريعـات الضروريـة لتنفيذ احكام الدستور ، ولاسيما المواد   22  و 27 و 95 منه ، ليصار بعد نفاذها الى إنتخاب مجلس نواب على اساس وطني لاطائفي ومجلس للشيوخ لتمثيل الطوائف ومباشرة إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية.

              الى ذلك ، لا غلو في دعوة قادة القوى الشعبية والسياسية الناهضة  بالحملة الجماهيرية المتعاظمة الى التخطيط مسبقاً لمواجهة احتمال امتناع اهل السلطة ومجلس النواب عن استجابة المطالب الإصلاحية المستحقة والمستعجلَة . المواجهة تكون  ،اذاً، باللجؤ الى تدابير استثنائية تمليها ظروف إستثنائية تستدعي المباشرة ، بالسرعة الممكنة، الى بناء "المؤتمر الوطني للإصلاح الديمقراطي" ليتولى وضع نظام للإنتخابات  على الأسس المنوّه بها آنفاً وبإجراء الإنتخابات وفق احكامه بإستقلال عن اجهزة السلطة الرسمية المعطلة أصلاً او المشلولة. والامر الاكيد ان اهل سلطة العجز عاجزون قطعاً عن تعطيل اجرائها ، سيما وان القوى الخارجية عاجزة عن التدخل لإنشغالها بأزمات إقليمية افتعلتها او تورطت فيها، والجيش لن يتدخل لإنشغاله بمهامه الدفاعية، ولتفادي إنشقاقه ، ولحرصه على وحدته وفعاليته . مع العلم ان الإنتخابات المرتجاة هي اقرب ما تكون الى إستفتاء او إستطلاع عام يجريه "المؤتمر الوطني للإصلاح الديمقراطي" بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني ، وليس له اي طابع استفزازي ولا معاداة لأي جهة سياسية. وفي هذا السياق ، يمكن تشريع التغيير الحاصل ، عاجلاً او آجلاً ، بأن يُعتبر المرشحون الفائزون في "انتخابات المجتمع المدني " برلماناً انتقالياً لمباشرة العملية الإصلاحية الجذرية بإتجاه بناء الدولة المدنية الديمقراطية.

نعم ، يجب المبادرة الى ممارسة هذا التمرين الساطع في الديمقراطية المباشرة ليكون إنجازاً نموذجياً لشعب لبنان ولكل شعبٍ يتوق الى تقرير مصيره وأولويات حياته بنفسه.

 

رجوع